العلامة المجلسي
312
بحار الأنوار
ثم جعل محلهم الملكوت الأعلى ، فبراهينهم على توحيده أكثر ، وأدلتهم عليه أشهر وأوفر ، وإذا كان ذلك كذلك كان حظهم من الزلفة أجل ، ومن المعرفة بالصانع أفضل . قالوا : ثم رأينا الذنوب والعيوب الموردة النار ودار البوار كلها من الجنس الذي فضلتموه على من قال الله عز وجل في نعتهم لما نعتهم ووصفهم بالطاعة لما وصفهم " لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون " قالوا : كيف يجوز فضل جنس فيهم كل عيب ولهم كل ذنب على من لا عيب فيهم ولا ذنب منهم لا صغائر ولا كبائر ؟ والجواب : أن مفضلي الأنبياء والحجج عليهم السلام قالوا : إنا لا نفضل ههنا الجنس على الجنس ، ولكنا فضلنا النوع على النوع من الجنس ، كما أن الملائكة كلهم ليسوا كإبليس وهاروت وماروت لم يكن البشر كلهم كفرعون الفراعنة وكشياطين الانس المرتكبين المحارم ، المقدمين على المآثم . وأما قولكم في الزلفة والقربة فإنكم إن أردتم زلفة المسافات وقربة المداناة فالله عز وجل أجل ، ومما توهمتموه أنزه ، وفي الأنبياء والحجج من هو أقرب إلى قربه بالصالحات ، والقربات ( 1 ) الحسنات ، وبالنيات الطاهرات من كل خلق خلقهم ، والقرب والبعد من الله جلت عظمته بالمسافة والمدى تشبيه له بخلقه ، وهو من ذلك نزيه . وأما قولهم في الذنوب والعيوب فإن الله جلت أسماؤه جعل الامر والزجر أسبابا وعللا ، والذنوب والمعاصي وجوها ، فالله جل جلاله هو الذي جعل قاعدة الذنوب من جميع المذنبين من الأولين والآخرين إبليس ، وهو من حزب الملائكة وممن كان في صفوفهم ، وهو رأس الأبالسة ، وهو الداعي إلى عصيان الصانع ، والموسوس والمزين لكل من تبعه وقبل منه وركن إليه الطغيان ، وقد أمهل الملعون لبلوى أهل البلوى في دار الابتلاء ، فكم من برية نبيه ، وفي طاعة الله عز وجل وجيه ، وعن معصيته بعيد وقد أقمأ إبليس وأقصاه وزجره ونفاه ، فلم يلو له على أمر إذا أمره ولا انتهى عن زجر إذا زجر له لمات في قلوب الخلق مكافئ من المعاصي لمات الرحمن ، فلمات الرحمن
--> ( 1 ) العزمات ( خ ) .